اهلا وسهلا اخي الزائر نرجوا لك وقتا ممتعا في منتديات منتدانا



 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 التأمل الأول: في الأشياء التي يمكن ان توضع موضع الشك

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
waled
Admin
avatar

عدد الرسائل : 136
نقاط : 12
تاريخ التسجيل : 24/05/2008

مُساهمةموضوع: التأمل الأول: في الأشياء التي يمكن ان توضع موضع الشك   الأحد مارس 01, 2009 5:53 am

1. ينبغي لنا، كي نقيم العلوم على قواعد ثابتة، ان نرفض كل آرائنا القديمة، مرة في حياتنا.

تبين لي، منذ حين، انني تلقيت، إذ كنت ناعم الأظفار، طائفة من الآراء الخاطئة ظننتها صحيحة. ثم وضح لي ان ما نبنيه بعد ذلك على مبادئ، تلك حالها من الاضطراب، لا يمكن ان يكون الا أمراً يشك فيه، كثيراً ويرتاب منه. لهذا قررت ان أحرر نفسي، جدياً، مرة في حياتي، من جميع الآراء التي آمنت بها قبلاً، وان ابتدئ الأشياء من أسس جديدة، إذا كنت أريد ان أقيم في العلوم قواعد وطيدة، ثابتة مستقرة. غير ان المشروع بدا لي ضخماً للغاية، فتريثت حتى أدرك سناً لا سن أخرى، بعدها، آمل ان أكون فيها اصلح نضجاً لتنفيذه. من اجل هذا أرجأته مدة طويلة. اما اليوم فقد غدوت اعتقد انني أخطئ إذا ترددت أيضاً، دون ان اعمل في ما بقي لي من العمل.

2. لا داعي لامتحان كل الآراء القديمة بالتفصيل. يكفي ان نعالج أهمها.

الآن، وقد تخلصت من كل شاغل، وظفرت براحة مضمونة في عزلة مطمئنة، فانني أجدني حراً في تقويض جميع آرائي القديمة، وليس بواجب، كي أدرك هذه الغاية، ان أبين زيفها كلها فقد لا انتهي منه أبداً. وإنما يكفي، لرفضها كلها، ان أجد لها سبباً للشك فيها. إذ ان العقل يريني انه ينبغي لي الا أكون اقل رفضاً للأمور التي لم تبلغ مرتبة اليقين التام، مني للأمور الفاسدة حقاً.

3. في ان هذه المبادئ هي الحواس، التي لا يمكن ان يوثق بها، لأنها خدّاعة.

كل ما تلقيته، حتى الآن، على انه اصدق الأمور وأوثقها، قد اكتسبته بالحواس، أو عن طريق الحواس. غير اني وجدت الحواس خدّاعة في بعض الأوقات، ومن الحكمة الا نطمئن أبدا كل الاطمئنان إلى من يخدعنا، ولو مرة واحدة.

4. يبدو لنا انه يستحيل على حواسنا ان تخدعنا في بعض الأمور.

ولئن كانت الحواس تخدعنا، بعض الأحيان، في أشياء صغيرة جداً وبعيدة عن متناولنا، فهناك أشياء كثيرة أخرى لا يُعقل ان نشك فيها، وان كنا نعرفها بطريق الحواس. مثال ذلك، ان ألبس عباءة المنزل، فاجلس هنا قرب النار، وقد مسكت بين يدي تلك الورقة، وأشياء أخرى من هذا القبيل. كيف أستطيع ان أنكر هاتين اليدين وهما يداي، وذلك الجسم وهو جسمي، اللهم الا إذا أصبحت كبعض المخبولين، الذين اختلت أذهانهم، وغُشى عليها بالأبخرة السود الصاعدة من الصفراء. هؤلاء لا ينفكون يؤكدون انهم ملوك، في حين انهم فقراء جداً. ولا ينفكون يؤكدون انهم يلبسون ثياباً موشاة بالذهب والأرجوان، في حين انهم عراة جداً. ولا ينفكون يتخيلون انهم جرار، أو ان لهم أجساماً من زجاج. هؤلاء مجانين. ولن أكون اقل شططاً منهم إذا نسجت على منوالهم.

5. الا اننا قليلو الثقة بها، مما يجعلنا غير قادرين على التمييز، حتى بين اليقظة والحلم.

لكن يترتب علي، في هذا المكان، ان آخذ بعين الاعتبار انني إنسان، من عادتي ان أنام، وان أرى في أحلامي الأشياء ذاتها، التي يراها هؤلاء المخبولون في يقظتهم، أو أشياء هي ابعد منها عن الواقع. فكم مرة حلمت اني جالس قرب النار ههنا، وقد لبست ثيابي، مع اني في سريري متجرد من كل ثوب. وهكذا لا يبدو لي، في الحلم، اني لا انظر إلى هذه الورقة، بعينين نائمتين، ولا ان هذا الرأس الذي أهز هو رأس ناعس. بالعكس، يبدو لي انني ابسط يدي واشعر بها عن قصد وتصميم. ان ما يقع في الحلم هو أيضاً ليس بالواضح المتميز. إذ كثيراً ما أتذكر، وقد أطلت النظر في الأمر، اني انخدعت في الحلم بمثل هذه الرؤى. لذا أرى بغاية الجلاء، حين أقف عند هذه الفكرة، انه لا يوجد علامات قاطعة، ولا إمارات يقينية كفاية، نستطيع بها ان نميز بين اليقظة والحلم، تمييزاً دقيقاً. وعليه فذهولي عظيم حتى يكاد يقنعني باني نائم.

6. ان الأمور التي نتمثلها في الحلم ليست متخيلة كل التخيل.

لنفرض الآن، إذن، اننا نائمون، وأن جميع هذه الخصائص، من فتح العينين، وهز الرأس، وبسط اليدين، وما شابه، ان هي الا رؤى كاذبة. ولنفرض ان أيدينا، وجسمنا كله، قد لا يكون على نحو ما نراه. ولكن ينبغي التسليم، على الأقل، بان الأشياء التي نتمثلها في الحلم هي بمثابة لوحات وصور، لا يُستطاع تكوينها الا على غرار شيء واقعي حقيقي. وهكذا، على الأقل، لا تكون هذه الأشياء العامة (كالعينين، والرأس، واليدين، وكل باقي الجسم) أشياء متخيلة، لكنها أشياء واقعية موجودة. إذ المصورون، وان بذلوا ما أوتوا من قدرة على تمثيل بنات البحر والتيوس الآدمية في أشكال غريبة جداً، وبعيدة عن المألوف، لا يستطيعون رغم ذلك ان يضفوا عليها أشكالاً وطبائع جديدة كل الجدة. وإنما الذي يصنعونه هو مزيج وتأليف من أعضاء مختلف الحيوانات. وإذا جمح الخيال عندهم، فابتدعوا شيئاً يبلغ مرتبة من الجدة، لا يرى أحد قط له مثيلاً، فان عملهم يكون شيئاً مختلقاً بالأساس، وزائفاً كل الزيف. يبقى، على الأقل، ان الألوان التي يؤلفونها منها، لا بد لها من ان تكون حقيقية.

7. يبدو ان صورته عن الأشياء تتركب من الأفكار التي لدينا عن أشياء أخرى ابسط، هي موجودة حقاً.

ومع ان هذه الأشياء العامة (اعني الجسم، والعينين، والرأس، واليدين، وما شابه) هي أشياء خيالية، فمن الواجب ان نعترف رغم ذلك، قياساً على ما تقدم، بوجود أشياء أخرى ابسط منها واشمل، هي موجودة حقاً. من امتزاجها، على نحو ما، تخرج بعض الألوان الحقيقية، فيتكون كل ما يقوم لدى فكرنا من صور الأشياء، سواء كانت هذه الصور حقيقية واقعية، أو مختلقة وهمية. من هذه الأشياء المتمددة وكمها أو مقدارها، وعددها. وكذا الحيز الذي هي فيه، والزمان الذي تدوم به، وما شابه.

8. ان العلوم، التي تدور على هذه الأشياء، تضم حقائق يظهر انه لا يمكن الشك فيها.

لعلنا غير مخطئين، إذن، في الاستنتاج ان علوم الطبيعة، والفلك، والطب، وسائر العلوم الأخرى، التي تدور على الأشياء المركبة، هي عرضة لشك قوي. ان الثقة بها قليلة. اما الحساب، والهندسة، وما شاكلهما من العلوم، التي لا تنظر الا في أمور بسيطة جداً، وعامة جداً، دون اهتمام كثير بمبلغ تحقيق هذه الأمور في الخارج، أو عدم تحقيقها، فهي تحتوي على شيء يقيني، لا سبيل إلى الشك فيه. فسواء كنت يقظاً أو نائماً، هنالك حقيقة ثابتة، وهي ان مجموع اثنين وثلاثة هو خمسة دائماً، وان المربع لن يزيد على أربعة أضلاع أبداً. ان حقائق قد بلغت هذه المرتبة من الوضوح، لا يمكن ان تكون موضع خطأ، أو عدم يقين.

9. في الأسباب التي تدفعنا رغم هذا إلى الريبة من حقيقة تلك الأشياء.

مع ذلك فقد رسخ في ذهني، منذ زمن طويل، معتقد فحواه ان هنالك إلهاً قادراً على كل شيء، هو الذي خلقني وصنعني على نحو ما أنا موجود. فما يدريني؟ لعله قضى ان لا يكون هناك ارض، ولا سماء، ولا جسم ممتد، ولا شكل، ولا مقدار، ولا حيز، ودبر مع ذلك ان أحس بهذه الأشياء، جميعاً، فتبدو لي كائنة على غرار ما أراها؟ ثم لما كنت أرى، أحياناً، كيف ان الآخرين يغلطون في الأمور، التي يحسبون انهم اعلم الناس بها فما يدريني، لعله قدر لي ان اغلط، أنا أيضاً، كلما جمعت اثنين وثلاثة، أو أحصيت أضلاع مربع ما، أو أطلقت حكماً على شيء اسهل من ذلك، ان كان ثمة شيء اسهل؟ لكن اما قيل عن الله انه كريم رحيم؟ لعله لم يرد تضليلي على هذا النحو؟ فإذا كان مما يتنزه عنه الله ان يكون قد خلقني عرضة للخطأ، دائماً، فمما لا يليق بمقامه ان يأذن بوقوعي في الخطأ أحياناً. واني على يقين ان هذا لا يقع بإذنه.

10. إذن لا يوجد شيء غير ممكن ان نشك فيه إلى حد ما.

قد نعثر على أناس يميلون إلى إنكار وجود اله ذي قدرة كهذه القدرة، اكثر مما يميلون إلى الاعتقاد بان كل الأشياء الباقية هي عارية من اليقين. لا نريد الآن ان نعارض هذا الرأي. لنقف بجانبهم مسلّمين معهم ان الذي قيل هنا عن اله ما هو الا حديث خرافة. ولكن، مهما تكن الوجوه التي يعتمدون عليها، لتفسير ما وصلتُ إليه من حال وكيان (سواء أعادوهما إلى القضاء والقدر، أو عزوهما إلى المصادفة، أو أرجعوهما إلى سلسلة من العلل والمعلولات، أو إلى أي سبب آخر) فان قدرة الصانع، الذي يجعلونه علة لوجودي تنقص، ما دام الخطأ والضلال نوعاً من أنواع النقص، بقدر ما انقص أنا فأتعرض للضلال دائماً. ليس عندي ما أجيب عن حججهم. الا انه لا مناص لي من الاعتراف بان كل الآراء التي حسبتها من قبل حقاً، أستطيع ان أشك فيها بطريقة ما. يمكنني الآن، ان ارتاب من أي رأي، لا بطيش ورعونة، وإنما بفضل أدلة ناضجة قوية جداً. لذا ينبغي لي، إذا أردت الاهتداء إلى أمر ثابت أكيد في العلوم، ان امتنع عن تصديق ما يمكن الشك فيه، امتناعي عن تصديق ما يتضح فيه الخطأ اتضاحاً شديداً.

11. في انه لا يكفي ان نبدي هذه الملاحظات، وإنما يجب حفرها في أعماق أذهاننا.

ذلك لان الفائدة لا تأتي فقط من اعتبار آرائنا القديمة قابلة للشك، بل أيضاً من افتراضها خاطئة. لا خطر ولا ضلال في إتباع هذا المسلك.

ولكن لا يكفي ان ابدي هذه الملاحظات، بل ينبغي لي أيضاً ان أوطدها في ذاكرتي، لأن الآراء القديمة، المألوفة، تعاودني بين الفينة والفنية. ان طول ألفها لي جعلها تشغل ذهني قسراً، وتتحكم تقريباً بمعتقدي. الا انني سأحترمها ... ما دمت أراها في واقعها، اعني في انها مدعاة للشك، من بعض الوجوه، كما ابنته الآن. مع ذلك هي محتملة كثيراً، مما يجعل التصديق بها أصوب من إنكارها. لذا أكون حكيماً إذا تعمدت موقفاً معاكساً، فاكذب نفسي، إذ افترض إلى حين ان جميع الآراء باطلة خيالية، ريثما يتيسر لي ان أوازن بين القديمة والجديدة. وهكذا لا يميل رأي إلى جانب دون جانب، ولا تسيطر التقاليد الخاطئة على حكمي، فيشتط عن الطريق المستقيم، الذي يقدر ان يرشدني إلى معرفة الحقيقية. أنا واثق انه لا خطر في إتباع هذا المسلك، ولا ضلال. مهما أبالغ في الحذر فلن أكون مسرفاً، لأن مطلبي الآن ليس العمل وإنما التأمل والمعرفة.

12. ما هي الافتراضات، التي يجب ان نفترضها، وكيف ينبغي لنا ان نستخدمها.

سأفترض إذن ان لا إلهاً حقاً (الذي هو مصدر الحقيقة الأعلى) بل ان شيطاناً سيئاً، لا يقل خبثه ومكره عن بأسه، قد استعمل كل ما أوتي من حنكة لتضليلي. وسأفترض ان السماء، والهواء، والأرض، والألوان، والأشكال، والأصوات، وسائر الأشياء الخارجية التي نرى، ليست الا أوهاماً وخيالات، يلجأ إليها الشيطان كي يقنعني. وسأفترض اني خلو من العينين واليدين واللحم والدم والحواس، التي أتوهم خطأ اني املكها جميعاً. وسأتشبث بهذه الافتراضات التي، ان لم أتمكن بها من الوصول إلى معرفة أي حقيقة، تدفعني على الأقل ان أتوقف عن الحكم. لذا سأحذر كثيراً من التسليم بما هو باطل.[1] سأواجه كل الحيل التي يعمد إليها ذلك المخادع الكبير، حتى لا يتمكن (مهما يكن بأسه ومكره) ان ينيخنيلشيء أبداً.

13. في ان تحقيق هذا المطلب صعب للغاية.

لكن هذا المطلب شاق كثير العناء. وشيء من الكسل يجرفني، دون شعور مني، في سياق حياتي العادية. مثلي هنا مثل عبد يتلذذ في المنام بحرية موهومة. وإذ فطن إلى ان حريته ليست غير أضغاث أحلام، خاف ان يصحو من نومه، فطاب له ان يمالئ هذه الأوهام اللذيذة، ليطول أمد انخداعه بها. كذلك حالي: انجرف من تلقاء ذاتي، ودون وعي مني، في تيار آرائي القديمة، ولا أريد ان أصحو من غفوتي هذه، خشية ان أجد، بعد الراحة الهادئة، اليقظة الشاقة التي، بدل ان تجلب لي قليلاً من الوضوح والنور في معرفتي للحقيقة، تبان عاجزة عن تبديد كل ظلمات المصاعب الناشئة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://waled1.yoo7.com
 
التأمل الأول: في الأشياء التي يمكن ان توضع موضع الشك
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: فلسفة وفكر - شخصيات ومشاهير - ادباء وعلماء-
انتقل الى: